ابن عطية الأندلسي

307

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

بالذكر . وقرأ جميع السبعة إلا حمزة « يخافا » بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل ، فهذا باب خاف في التعدي إلى مفعول واحد وهو أَنْ ، وقرأ حمزة وحده « يخافا » بضم الياء على بناء الفعل للمفعول ، فهذا على تعدية خاف إلى مفعولين ، أحدهما أسند الفعل إليه ، والآخر أَنْ بتقدير حرف جر محذوف ، فموضع أَنْ : خفض بالجار المقدر عنه سيبويه والكسائي ، ونصب عند غيرهما لأنه لما حذف الجار وصار الفعل إلى المفعول الثاني ، مثل استغفر اللّه ذنبا ، وأمرتك الخير ، وفي مصحف ابن مسعود « إلا أن يخافوا » بالياء وواو الجمع ، والضمير على هذا للحكام ومتوسطي أمور الناس . وحرم اللّه - تعالى - على الزوج في هذه الآية أن يأخذ إلا بعد الخوف أن لا يقيما ، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد ، وأجمع عوام أهل العلم على تحظير أخذ مالها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها . قال ابن المنذر : « روينا معنى ذلك عن ابن عباس والشعبي ومجاهد وعطاء والنخعي وابن سيرين والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير والزهري وحميد بن عبد الرحمن وقتادة وسفيان الثوري ومالك وإسحاق وأبي ثور » ، وقال مالك - رحمه اللّه - والشعبي وجماعة معهما : فإن كان مع فساد الزوجة ونشوزها فساد من الزوج وتفاقم ما بينهما فالفدية جائزة للزوج . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ومعنى ذلك أن يكون الزوج لو ترك فساده لم يزل نشوزها هي ، وأما إن انفرد الزوج بالفساد فلا أعلم أحدا يجيز له الفدية ، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال : « إذا جاء الظلم والنشوز من قبله فخالعته فهو جائز ماض وهو آثم لا يحل ما صنع ، ولا يرد ما أخذ » ، قال ابن المنذر : « وهذا خلاف ظاهر كتاب اللّه ، وخلاف سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولو قيل لأحد : اجهد نفسك في طلب الخطأ ، ما وجد أمرا أعظم من أن ينطق القرآن بتحريم شيء فيحله هو ويجيزه » ، و حُدُودَ اللَّهِ في هذا الموضع هي ما يلزم الزوجين من حسن العشرة وحقوق العصمة . ونازلة حبيبة بنت سهل - وقيل جميلة بنت أبي ابن سلول والأول أصح - مع ثابت بن قيس حين أباح له النبي صلى اللّه عليه وسلم أخذ الفدية منها إنما كان التعسف فيها من المرأة لأنها ذكرت عنه كل خير وأنها لا تحب البقاء معه ، وقوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ المخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكما ، وترك إقامة حدود اللّه هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه ، قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء ، وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه : إذا قالت له : لا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسما ، حل الخلع ، وقال الشعبي : أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ : معناه أن لا يطيعا اللّه ، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة » ، وقال عطاء بن أبي رباح : « يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها إني لأكرهك ولا أحبّك ونحو هذا » . وقوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ إباحة للفدية ، وشركهما في ارتفاع الجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيث لا يجوز له أخذه وهي تقدر على المخاصمة ، فإذا كان الخوف المذكور جاز له أن يأخذ ولها أن تعطي ، ومتى لم يقع الخوف فلا يجوز لها أن تعطي على طالب الفراق ، وقال ابن عمر والنخعي وابن عباس ومجاهد وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه ومالك والشافعي وأبو حنيفة وعكرمة وقبيصة بن ذؤيب وأبو ثور وغيرهم : مباح للزوج أن يأخذ من المرأة في الفدية جميع ما تملكه ، وقضى